نخبة من الأكاديميين
819
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
العديد من العلماء في مراغة ، وكان أشهرهم نصير الدين الطوسي ومؤيد الدين العرضي اللذان ذكرا سابقاً ، ومحي الدين المغربي وقطب الدين الشيرازي ، وقد شاركوا جميعاً في عملية تجاوز علم فلك بطلميوس . تشكّلت " مدرسة " حقيقية حول مرصد مراغة ، وكان لها تأثير هام على مجمل التطور اللاحق لعلم الفلك في الشرق . ولدينا دلائل على استمرار نشاط المرصد حتى العام 1316 ، تاريخ وفاة آخر مدير معروف له ، اسمه أصيل الدين ، تولّى مسؤولية المرصد منذ العام 1304 ، الّا أنّ أبنيته أضحت أطلالًا حوالي العام 1350 . لذلك نحن على يقين أنّ مرصد مراغة قد عمل ما يزيد على خمسين سنة ، دون أن نستطيع حاليّاً تحديد تاريخ دقيق لوقف العمل فيه . كان لهذا المرصد تأثير كبير ، لا يعود فقط إلى أهميّة الأعمال العلميّة التي أنجزت في إطاره ، والتي سنعرضها سريعاً ، بل يعود أيضاً إلى أنّه بدا كنموذج للمراصد الكبرى اللاحقة التي سبقت إدخال المنظار الفلكي ( الذي لم يظهر الّا في القرن السابع عشر في أوروبا ) . كان أشهر هذه المراصد ، التي تميزت بنوعية آلاتها ، مرصدا سمرقند واسطنبول . أسّسَ مرصد سمرقند في العام 1420 م ، الحاكم ألغ بك الذي كان أيضاً رجل علم رفيع المستوى ، وقد بقي المرصد يعمل حتى العام 1500 تقريباً . وأسَّس مرصد إسطنبول عالم الفلك تقي الدين ابتداءً من العام 1575 ، ولكنّ هذا المرصد لم يعمل سوى لبضع سنوات . أمّا المراصد الأخيرة المرتبطة بتقليد مرصد مراغة فقد أسسها جاي سنغ في الهند في القرن الثامن عشر ، ونذكر منها بخاصة مرصد جايبور ( 1740 م ) الذي ما تزال غالبية آلاته في مكانها حتى اليوم ( لكن أيضاً دون منظار بالرغم من حداثة تاريخ بنائه ) . كان برنامج العمل في مرصد مراغة يهدف للخروج من نظام بطلميوس ، وليس لتكرار ما قام به . وكنّا قد أشرنا عدة مرات فيما سبق ، إلى حجج ذات طابع وصفي للكون ، يجب أوّلًا تناولها مجدَّداً في بضع كلمات قبل عرض أعمال ثلاثة مؤلّفين هامين من مدرسة مراغة . اقترح بطلميوس في " المجسطي " نماذج هندسية نظرية تسمح بوضع جداول . وحاول في عمل سابق ، مختصر بالمقارنة مع " المجسطي " ، هو كتاب " الاقتصاص " ، بناء نموذج ملموس للكون مع أجسام متحركة ، يمثِّل مجموع الحركات ، وكلّ حركة منها مرتبطة بجسم يجب أن يتمتع بحركة دائرية منتظمة . لم يتوصل بطلميوس إلى حل مرضٍ لهذه المسألة التي استعاد علماء الفلك العرب معالجتها انطلاقاً من القرن التاسع ، لكن مع التثبت هذه المرة من أخطاء نموذج بطلميوس ، وهذا ما بيَّنه ابن الهيثم بوضوح . كان هدف علماء الفلك في مراغة إيجاد نماذج هندسية نظرية تستطيع التلاؤم مع نموذج ملموس للكون ، مع مراعاة دقيقة لمبدأ الحركة الدائرية المنتظمة . بكلام آخر ، سيعتبر عالم الفلك نفسه قد نجح في التوصل إلى نتيجة ، في حال استطاع تصميم نموذج ميكانيكيّ للكون يعمل بواسطة سلسلة من الدواليب الدائريّة المسنَّنة ، وهذا غير ممكن في نظام بطلميوس . المسألة كلها تكمن في التوافق بين علم فلك » فيزيائي « بالمعنى القديم للكلمة ، يحرص على